ابن عربي
51
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
اللّه تعالى ، وحدا بهم داعي الحق إلى العروج إليه كما قال عليه الصلاة والسلام : « يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم كيف تركتم عبادي فيقولون : تركناهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون » « 1 » كذلك عند الصبح والعصر ، وقوله : يطلب البين يعني هذا الحادي بهم يطلب الفراق والبعد من عالم الكون بهؤلاء الروحانيات ، وأتى بلفظة البين دون غيره ، لأنه من الأضداد فهو فراق عن كذا فيه انفصال بكذا وهو المقصود ولا يوجد ذلك في غير لفظة البين . وقوله : ويبغي الأبرقا . يقول : ويبغي بهم المكان الذي يقع لهم فيه شهود الحق تعالى وسمّاه الأبرق لما شبه الشهود الذاتي بالبرق لنوره وسرعة زواله كنّى عن المكان والحضرة التي يقع فيها هذا الشهود بالأبرق أي المكان الذي يظهر فيه البرق . نعقت أغربت « 2 » البين بهم * لا رعى اللّه غرابا نعقا كنّى بأغربة البين عن الأمور التي خلفته عن العروج معهم إلى الأبرق وهي ملاحظات وجوده الطبيعي الذي أمر بتدبيره والقيام بسياسته فهو يتشاءم بملكه ويتمنى الانتقال من مقام الملك إلى العبودية « 3 » التي هي في الحقيقة ملك الملك ، ثم أخذ يدعو على كل من كان سببا لفراقه عن أحبته المساعدين له على ما في همته بتخلفه عنهم حين درجوا عنه . ما غراب البين إلّا حمل * سار بالأحباب نصّا عنقا يقول : ليس غراب البين طائرا يطير بالأحباب وإنما حمولتهم التي تحملهم عنا هي أغربة البين وهي في الحسن المراكب التي هي الإبل وأشباهها ، وفي لطائف الهمم التي ترتحل بالعبد المحقق عن موطن وجوده إلى تقريب شهوده ، فلو عاينت سير اللطائف الإنسانية على نجائب الهمم وهي تخترق سرادقات الغيوب وتقطع مفازات الكيان لرأيت عجبا ، ولهذا قال العارف : والهمم للوصول أي أنها عليها يوصل إلى
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الصحيح 1 / 145 ، 9 / 154 ، 174 ) ، ومسلم في صحيحه ( المساجد 210 ) ، والنسائي في ( السنن 1 / 240 ) ، ومالك في ( الموطأ 170 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 486 ) ، وابن عبد البر في ( تجريد التمهيد 301 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 18947 ) ، والبنوي في ( شرح السنة 2 / 226 ) ، وابن حجر في ( فتح الباري 2 / 33 ) ، والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 626 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 510 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 1 / 240 ، 293 ) ، ( بغوي 4 / 7 ) ، وابن الجوزي في ( زاد المسير 4 / 311 ) ، والقرطبي في ( التفسير 3 / 211 ، 9 / 293 ، 10 / 307 ) ، وابن كثير في ( التفسير 5 / 99 ، 4 / 359 ) ، وابن كثير في ( البداية والنهاية 1 / 51 ) . ( 2 ) في نسخة أخرى : أغربة . ( 3 ) العبودية : هي تذلل وتبرؤ من الحول والقوة في عبادته ، وأصلها العبادة وهي القيام بالفعل بالمطلوب شرعا . ( للتوسع انظر الرسالة القشيرية ص 197 - 201 ، العبودية ) .